الأحد، 9 مايو 2010

بقي 3600 مسيحي في غزة


حين تتخذ المشاكل طابع المعضلة، يجب اللجوء إلى التاريخ، كأنسب حلّ، نستلهم منه الحقائق الباتة، الرادعة والمسلم بها، ولن يقال إن مائة سنة، أو ألفين، كافية للتهرب من جوهر الأمور، أو التشبث بما هو خاطئ أو أعوج، لأن كل المسافة، مهما طالت، بين المنبع والمجرى العكر، لن تكون إلا من باب التسويف وحجة للتسويغ، بهذه الطريقة يمكن إعادة الحقائق التاريخية إلى وجهها الناصع.
وبهذا الخصوص يذكر أن أهل غزة الحاليين، جاءوا إليها بعد الغزو الإسلامي للأردن وفلسطين ولبنان وسوريا، قسم منهم ركض مع قوات المسلمين من أجل النهب والسلب الشائعين، والقسم الآخر زحفوا إليها كجماعات مهاجرة من سيناء وعرب شمال السعودية، فطردوا عدداً من البيزنطيين واستولوا على أراضيهم الخصبة، وأقاموا فيها، وبعد صدور ما عرف بوثيقة عمر بن الخطاب (العهدة العمرية) التي ترك بموجبها كنائسهم ومعابدهم وأملاكهم، هدأ نزوح المسيحيين من كل فلسطين، لكن العرب، وهم لا يقبلون بين ظهرانيهم من سكان المنطقة الأصليين، راحوا يضايقون البيزنطيين إلى أن أسلم قسماً كبيراً منهم، ثم تعربوا، ولم تبق غير أبنية الكنائس وقلة يعيشون في كنفها!
كان عدد المسيحيين المقيمين في غزة حوالي 8600 مسيحي معظمهم من الطائفة الأرثوذكسية(1)، لهم ثلاث كنائس منها واحدة في الشمال (كنيسة الله)
وهي تضم أربع مدارس تتبع الكنيسة الكاثوليكية، وتوجد فيها ثلاث جمعيات: جمعية اتحاد الكنائس المسيحية، جمعية الشبان المسيحية، وجمعية كاريتاس، إلا أن عدد المسيحيين هبط إلى حوالي 1300 مسيحي بعد 1967-1993.
عندما قال محمود عباس، رئيس السلطة الفلسطينية، إن وجود هؤلاء أقدم منا في المنطقة(2) كان يستنكر هجوم حماس على كنيسة الله في الشمال وحرق وضرب بعض المسيحيين، وكان زعماء حماس أرسلوا برجالهم أكثر من مرة للتحرش بالكنائس وما تبقى من مسيحيين ومدارسهم، أملاً في تهجيرهم ثم تسوية المدارس والكنائس بالأرض قبل أن يسمع أحد عنها!
لقد ذكّرنا عمل كريه كهذا بما أقدمت عليه حكومة طالبان بناء على نصيحة بن لادن، حين أقدمت على نسف تمثال بوذا القائم بعيداً في الجبال، وكان هناك قبل وصول جيوش المسلمين إلى المنطقة!
منذ استيلائها على السلطة بانقلاب، أصبحت حماس مشكلة للقضية الفلسطينية، المهزوزة بالأساس من وجهة نظر العالم الغربي، وحين كانت غزة تابعة للإدارة الفلسطينية كانت تغطي، بما تقدر عليه، مشاكلها الاقتصادية، الفلتان الأمني، المواجهات المسلحة بين الأفراد التي تؤدي إلى القتل، وفي أفضل الأحوال إلى السرقات. بيدَ أن سيطرة حماس على كل القطاع إثر الانتخابات ثم الانقلاب العسكري، أصبح ضبط الأمور في غزة معضلة حقيقية، وغدا سكانها غير قادرين على العيش بشكل منتظم!
لم تكن حماس تفهم من السياسة غير مجموعة من الآيات القرآنية تردّ بها على الصحفيين. تلقت الدعم العسكري من إسرائيل نكاية بعرفات، وكانت قد نشأت كذراع لجماعة الإخوان المصرية وتشربت من فكرها الأصولي، وهي لا تملك غير هذا الفكر المنغلق، وعندما حدثت الانتفاضة الأولى تمردت على إسرائيل، وشقت طريقها لوحدها، ثم بنصيحة من سوريا أمسك الإيرانيون بخناق زعماء حماس، وظل زعماؤها لا يشبعون من المال، وحين فرض الحصار على غزة فتحت أو أشرفت على فتح حوالي 3000 نفق بين رفح ومصر لتهريب البضائع التي لم تخطر على بال، بما في ذلك السيارات الجديدة أجهزة التبريد والمايكرويف والتلفزيونات، وتقبض حماس 300 دولار يومياً على كل نفق، ولم يشبع زعماء حماس، وفي الفترة الأخيرة تدهورت الأوضاع الاقتصادية فحرموا الموظفين التابعين لهم من المرتبات وأصبحوا يدفعونها بأقساط صغيرة، بينما الزعماء لا تمتلئ عيونهم من المال الذي يصلهم من إيران ومن التبرعات ويحرمونها على السكان.
ويشكوا السكان من شح المواد الغذائية في نشيد واحد، يصور للعالم أن الحصار يخنقهم، ورغم أن بعض والنفط والبنزين والأدوية تذهب إلى غزة من إسرائيل، فإن مدينة العريش المصرية تشحن البضائع بلا انقطاع نَفس، إلى أن أصاب غزة نوع من الإشباع، أو لم يعد أغلب الناس يملكون ما يشترونها بها. أما الفقراء فقد ظلوا يعيشون على الهامش، مهما خزّن القادة من "الذهب والفضة"
زعماء حماس، الذين لا تشبع عيونهم من المال ولا قلوبهم من السلطة، عزّ عليهم وجود 3600 مسيحي في القطاع، هم كل ما تبقى من مئات الآلاف من البيزنطيين أصحاب الأرض الأصليين، بحضارتهم وعمرانهم القديم، ممن يعيشون الآن منكمشين، خائفين، معرضين لغزوات حماس بابتزازهم أو جمع الضرائب منهم، وبالقتل، أو بحرق بيوتهم وكنائسهم، وهذا أمر لا يطاق، إنه سيف معلق فوق الرقاب!
يقال: بالنسبة للفوضى، ابحث عن بصمات إيران، إذ لم تعد طهران تكتفي من قادة حماس بخلع أربطة العنق، مسايرة للقادة الإيرانيين، إنما أصبح هدفها إحداث انقلاب على منظمة التحرير والسيطرة على الضفة، وبهذا تستكمل إقامة الهلال الشيعي، ولو بأيدي سنية في الطرف الأبعد منه، كقفزة أولى لخلق الفوضى العارمة في المنطقة، خاصة وأن الإمارات العربية، بعد تلقيها تهديدات بقطع الأصابع، وهذا تهديد يحب حسن نصر الله إطلاقه على خصومه، تعمل الآن على نقل ملف الجزر المحتلة إلى هيئة دولية تنظر فيه!

هناك تعليقان (2):

غير معرف يقول...

انا ملحد ولا اؤمن برب ولا بعبد
وحماس من وجة نظرة منظمة اصولية اخونجية!
لكن كلامك يبين وكان المسيحين مظطهدين وبما ان اهل مكه ادرا بشعابها فيمكن لى القول ان مدنس
فانت لم تتكلم بحرف واحد من الحقيقة وصورت الغزوات الأسلامية ولم تصور الغزوات الصليبية!
كان عليك كما تدعى انك كاتب ان تكون منصف فنحن فى قطاع غزة وفلسطين عموما لانفرق بين مسلم ومسيحى
ولدينا طريق طويل من الكفاح المشترك فمثلا جورج حبش ماذا !! وديع الصايغ واخرون كثيرون
اما عن المستوى الشعبى فا الحياة جميلة جدا ومستقرة ولا فوارق تذكر اطلاق بين المسلمين والمسيحين
وعليك ان تثبت لنا ما تقول .. او ان تعتذر عما كتبت ارجوك نحن لسنا بحجاة لمزيد من العنصرية او الطائفية كما يحدث فى بعض الدول ..
لا نود زرع فتن بين ابناء الشعب الواحد
ولى قريبا مقالة ترد عليك
تحياتى

Fadwa Fadel يقول...

يبدو ان القاريء صاحب التعليق السابق من ذوي العقلية القبلية النمطية السائدة في المنطقة العربية. بمعنى انه من جماعة انصر اخاك ظالما او مظلوما. ولم يقتل العرب غير تعصبهم وخوفهم المريع من مواجهة وانتقاد انفسهم. لو وضع الاخ القارئ في جوجل كلمتي "مسيحيين غزة" ستظهر له قائمة طويلة من الاخبار والمقالات من وكالات انباء وافراد تؤكد حوادث الاعتداء ضد المسيحيين في غزة.
فبدل انكار الحقائق -حتى لوبدت صغيرة للبعض- يفترض ان نرصدها ونحللها وندرس ابعادها. وهذا ما يقوم به الكتَاب المستقلون.